الشيخ السبحاني
11
مفاهيم القرآن
ونحن نطلقها على ما جاء ولانكيّفها » « 1 » . هذه العبارات ونظائرها التي ملأ بها مؤلّف « علاقة الاثبات والتفويض » كتابه المنشور في مهد الدعوة السلفية ، ترمي إلى أحد الأمرين : إمّا التجسيم والتشبيه وإمّا تعطيل العقول عن معرفة الكتاب العزيز ، فانّ اليد والوجه والرجل موضوعات في اللّغة العربية للأعضاء الخاصّة ، فإن أريد منها المعنى الحقيقي وهو الذي يطلق عليه المعنى الكيفي ، فيلزم التشبيه ، وإن اطلق عليه بلاهذا القيد ، فيلزم التأويل ، وهم يفرّون منه فرار المزكوم من المسك ، فإنّ القول بأنّ له سبحانه وجهاً بلا كيف مهزلة وشعار خادع ، إذ ليس هما معنى ثالث تلتجىء إليه السلفية فالأمر يدور بين اثنين ، وثالثهما غير متصوّر . 1 - اليد بما له من الكيفيّة الخاصّة فيلزم منه التشبيه . 2 - تأويله بالمعنى المجازي فيكون كناية عن القوّة والقدرة . وأمّا الثالث أعني الوجه بلا كيف ، فهو أشبه بأسد لاذنب له ولارأس ولا . . . فإنّ واقعية اليد قائمة بكيفيّتها ، فسلب الكيفية سلب لحقيقتها ، فلا يمكن حفظ أصله ورفض كيفيّته ، فحذف الكيفيّة يلازم حذف أصل المعنى فقوامه بكيفيتها وعماده وسناده نفس هوّيتها الخارجية . وأظن - وظن الألمعي صواب - : إنّ هؤلاء هم المشبّهة والمجسّمة ولكنّهم يخجلون من التفوّه بالتجسيم فيأتون به في قوالب خدّاعة ، وعبارات معقّدة ، أو أنّهم هم المعطّلة فإنّ امرار الصفات واثباتها على حسب ما جاء في الكتاب بلا توضيح لما يراد منه ، نفس التعطيل أيتعطيل العقول عن المعارف ، فهم بين مجسّمة تخفي عقيدتها ، أو معطّلة لا تريد الرقي من سلّم المعارف درجة ، فتكتفي بالألفاظ ولقلقة اللسان .
--> ( 1 ) . فتح الباري ج 13 ص 417 .